الصفاء الذي قبل نفسه:
هناك في مكان ما، في مكانين، في عدة أماكن.. نوع من الصدق و الأصالة لا يُكتسب بالتفكير بقدر ما يكتسب بالاستنزاف
حين يمضي الإنسان عمره يتفكك ببطء، طبقة بعد طبقة، حتى لا يبقى منه ما يستحق الاسم، يصل أحيانا إلى شيء يشبه الصفاء، و لكن صفاء الخواء الذي قبل نفسه.
يجلس Harry Dean Stanton أمام الكاميرا كمن يجلس أمام محكمة لا يعترف بصلاحيتها، ثم أجاب ببضع كلمات.. رسمت على ملامحي ابتسامة أينما رأيت هذا المقطع.. لأن فيها مما قد يحمل طابع الفكاهة رغما عني.. و لم يكن هذا تواضعا طبعا -الكُليمات- و لم يكن عدمية مريضة كما قد يُظن.. كان -في ظاهره على الأقل- شيئا أصعب من ذلك: كان يبدو كصدق.
بيد أن هذا الخواء كان نقطة الوصول، و بين البداية والوصول شرخ يمتد بطول حياة.
ديفيد هيوم و الذات التي لم تُوجد:
الفلاسفة أمضوا قرونا في بناء الذات وفي هدمها؛ ديفيد هيوم حين فتش في داخله لم يجد سوى تدفقا متقطعا من الإدراكات، لا جوهرا ثابتا يقبع وراء الأفكار كروح خفية..(Hume, 1739/2000)
حتى الذات السردية ليست بالحقيقة المكتشفة و لن تكون هكذا يوما.. لهي قصة نسردها على أنفسنا باستمرار؛ نرتبها، نحذف منها، نعيد ترتيب أحداثها..(Ricœur, 1992).
كل هذا لنحافظ على وهم الاتساق، و ما إن يتوقف الإنسان عن سرد القصة، يدرك أن لا شيء ثابتا كان عندها ليُحكى.
و طبعا..
ثمة فرق بين من يتوقف عن السرد لأنه وصل إلى ما وراءه، ومن يتوقف لأن القصة كانت منذ البداية أشد مما يُحتمل حكيه
و ستانتون توقف عن السرد -أو هكذا أراد أن يُظهر- ~
قد يبدو كمن تجاوز الحاجة إلى الاستمرار في عيون الآخرين، تلك الـsymbolic immortality؛ الوهم بأن الأثر يطيل الوجود، فما نتركه خلفنا هو ما يثبت أننا كنت هنا (Lifton, 1979). و هذا التجاوز جميل من الخارج، لكن سيقع هنا سؤال يصعب تجاهله: هل “لا يهم” موقف من وصل، أم من استسلم؟
الجرح الأساسي و الحاجة إلى الرؤية:
و الأعمق من هذا أن من نشأ على الجرح الأساسي كثيرا ما يمضي حياته يبني صورة في عيون الآخرين تعويضا عما لم يُر حين كان صغيرا؛ يطلب من نظرة الآخر أن تصحح ما أفسده الشرخ الأول، أن تقول له: أنت موجود، أنت مرئي، أنت كاف.
و لكن أن تقول: “It doesn’t matter” -و أنت تقصدها- هو إما نهاية هذه الحاجة بالكامل، أو هو وجهها الأكثر هدوءا وأشدها إحكاما.
الفرق بين الاثنين ليس دائما واضحا، و أحيانا لا يكون واضحا حتى لصاحبه.
“ما كانت أحلامك حين كنت طفلا؟”
توقف. أخذ نفسا طويلا. ثم قال: “Nightmares.”
ربما هو سئم من هذه الأسئلة، أفهم تماما.. هنا يتشقق شيء ما في الصورة التي رسمها عن نفسه طوال المقابلة. لأن الرجل الذي لا ذات له، الذي لا يرى أنه من المهم أن تكون له صورة للغير، الذي يقف أمام الكاميرا بهدوء بارد.. لا يزال يحمل هذه الكلمة في مكان قريب بما يكفي ليخرجها حين يُسأل عن البداية. الكوابيس لا تُحفظ في اللاشيء، تُحفظ في مكان له اسم.
هذا ما أعتقده.
الشرخ البنيوي و تشويه الزمن:
الـcore wound، ذلك الشرخ الذي يحدث في أعمق لحظات التشكل، حين تكون الروح لا تزال طرية غير محمية، قبل أن تعرف أنها تحتاج جدرانا.. ليس جرحا عارضا يُشفى بالوقت، إطلاقا؛ لهو شرخ بنيوي يعيد رسم الهندسة الداخلية للإنسان بالكامل (van der Kolk, 2014). لكن أعمق ما يفعله هذا الشرخ أنه يشوه العلاقة مع الزمن ذاته. الطفل الذي تملأ كوابيسه الفضاءا لذي يجب أن تسكنه الأحلام يتعلم الخوف، بل و يتعلم عدم التمني.. وعدم التمني أثقل بكثير من الخوف، لأن الخوف على الأقل يقر بأن هناك شيئا يمكن أن يُخسر، بينما عدم التمني يقول أنه لم يكن هناك شيء يُكسب أصلا.
والإستجابة الغالبة لمثل هذا الجرح هي البناء فوقه، البناء منه خطأ فظيع..
يشيد الإنسان هوية كما يشيد البناءون فوق أرض غير مستقرة: بجهد مضاعف وبإنكار مستمر لما تحت القدمين. و الجميل -بالمعنى المر- أن هذا البناء يمكن أن يكون عاليا جدا، شاهقا بما يكفي ليخفي التصدعات تحته.. يمكن أن تكون هناك مسيرة، وأعمال، ونجاح بمقاييس العالم، وكل هذا مبني فوق أرض لم يُعترف بها قط. التنهيدة التي سبقت كلمة “nightmares” أبلغ من الكلمة نفسها، كان ثمة شيء يحتاج إلى وقت قبل أن يُقال، كأن الجسد يعرف ما لا يريد العقل الاعتراف به.
المسافة النفسية كدرع قديم:
الجدير بالإشارة أيضا الـpsychological distance؛ آلية يتعلمها بعض الناس مبكرا جدا: أن يضعوا بينهم وبين أنفسهم مسافة، أن يتحدثوا عن ذواتهم كما يتحدثون عن غريب. و هذه المسافة تبدو من الخارج كحكمة وتعال، لكنها في أصلها في الغالب تعلم قديم: أن تكون “أنت” كان في وقت ما خطيرا أو مؤلما أو لم يُقابل بما يكفي من الاعتراف حتى يستحق البقاء (Schore, 2003).
الطفل الذي كانت طفولته كوابيس أحيانا يختفي بدل أن يكبر.. و لا أتحدث هنا بالمعنى الدرامي، لنأخذها من منطلق هادئ أشد إيلاما: يتعلم ألا يأخذ حيزا، ألا يطلب، ألا يترقب؛ لأن الترقب نفسه كان في طفولته مصدر الجرح. و حين يكبر هذا الطفل ويُسأل عن نفسه، يقول بكل هدوء: “As nothing.” و هو يظن أنه يصف الحقيقة الكونية، بينما قد يكون يصف فقط ما تعلمه عن نفسه في وقت لم يكن فيه خيار آخر.
هذا لا يلغي عمق ستانتون. لكنه يرفض أن يقدم نفي الذات كحكمة ناجزة لمجرد أنه جاء بنبرة هادئة وعلى وجه متعب.
الهدوء ليس دليلا على التجاوز.
و أحيانا أكثر ما يشبه السلام هو الإرهاق حين يصل إلى نقطة لا يملك فيها صاحبه حتى طاقة المقاومة.
الإنسان الذي وصل فعلا إلى ما وراء الذات لا يتنهد حين يُسأل عن طفولته. التنهيدة تكشف أن ثمة من كان يسكن هناك، ولم يرحل تماما.
"I exist. That is all, and I find it nauseating."
— إميل سيوران (Cioran, 1949/1992, p. 33
وهكذا تكتمل الصورة وتتشقق في آن واحد. الشرخ كان. البناء فوقه أُرهق.. ثم سقط البناء ببطء وعلى مدى عقود، ولم يبق تحته إلا ما يشبه الهدوء، لكن هل هو هدوء من لم يعد يحمل شيئا، أم هدوء من أرهقه الحمل حتى ظن أنه لم يكن يحمل شيئا أصلا؟
تقاطعات:
هناك بعض الحلقات المكررة
كتب Cioran: “I exist. that is all, and I find it nauseating.”
سيوران كان صادقا بطريقته: الوجود مثقل، الوجود مقزز، الوجود حمل لم يُطلَب. لكنه على الأقل أقرّ بأن هناك من يشعر بالغثيان -أي أن هناك من يشعر-
ستانتون ذهب إلى ما هو أبعد، و لكن الأبعد لا يعني بالضرورة أعمق، ربما يعني فقط أبعد..
حتى كامو مثلا رأى أن حين لا يهم ما يأتي بعد، يصبح الحاضر هو الشيء الوحيد الذي حدث فعلا. وهذا جميل. رأى أنه حين لا يهم ما يأتي بعد، يصبح الحاضر هو الشيء الوحيد الذي حدث فعلا (Camus, 1942/1955).
يحول انعدام المعنى إلى تحرر، لا إلى فراغ -بغض النظر عن تطبيق كامو لما يدعيه فعلا-. لكنه موقف مختلف جذريا عن اللامبالاة التي تنشأ من الإرهاق. موقف كامو يقتضي حضورا تاما.. و اللامبالاة المنهكة تقتضي غيابا تاما. و كلاهما يقول “لا يهم” لكن المسافة بين الجملتين بعيدة كما بين موجة و قعرها.
و أنا لا أفترض أي شيء مما يتعلق بالجرح أو الصدق أو غيره بهذا القدر من الحديث لهذا المقطع.. إنه فقط أداة لإيصال الفكرة و ليس محورها.
و لكن عموما.. لنختم
ختاما،
ربما كان ثمة شيء
الصدق الأصيل الذي لا يُكتسب بالتفكير.. الذي أشرنا إليه في البداية.. ليس بالخواء، فالخواء يمكن أن يكون دفاعا متقنا كما يمكن أن يكون وصولا حقيقيا. و الفارق بين الاثنين في الـtexture.. في نسيج الكلمة وما قبلها وما بعدها.. في التنهيدة، في الوقفة، في الطريقة التي يحمل بها الجسد ما لا يستطيع اللسان إنكاره.
من تعلم منذ طفولته أن يكون لا شيء لا يتذكر لحظة القرار لأنه لم يكن ثمة قرار. كان هناك تكيف. و طوال الوقت.. و بين التكيف و الوصول مسافة يصعب قياسها من الخارج، و يصعب - أحيانا - الاعتراف بها من الداخل.
ربما كان ثمة شيء، تعلم منذ طفولته أن يكون لا شيء. والفرق بين الاثنين هو كل شيء.
لم أستخدم هذه المراجع إلا بشكل لاواع تقريبا
(كما تلاحظون الـ Text-citation)
.لكني أتركها بين أيديكم للتعمق في نفس السياق
المراجع — References
Camus, A. (1955).
The myth of Sisyphus and other essays
(J. O’Brien, Trans.). Knopf. (Original work published 1942)
Cioran, E. M. (1992).
A short history of decay
(R. Howard, Trans.). Arcade Publishing. (Original work published 1949)
Hume, D. (2000).
A treatise of human nature
(D. F. Norton & M. J. Norton, Eds.). Oxford University Press. (Original work published 1739)
Lifton, R. J. (1979).
The broken connection: On death and the continuity of life
. Simon & Schuster.
Ricoeur, P. (1992).
Oneself as another
(K. Blamey, Trans.). University of Chicago Press.
Schore, A. N. (2003).
Affect dysregulation and disorders of the self
. W. W. Norton & Company.
van der Kolk, B. A. (2014).
The body keeps the score: Brain, mind, and body in the healing of trauma
. Viking.








